عاد حقل نرجس للغاز الطبيعي إلى دائرة الاهتمام في مصر، بعد إعلان نتائج إيجابية لحفر البئر الثانية في منطقة الامتياز البحرية بشرق البحر المتوسط، في تطور يسهم في تعزيز فرص تنمية اكتشافات غاز جديدة في ظل وقت يشهد فيه العالم زيادة كبيرة في الاسعار العالمية نتيجة الاحداث الجارية.
ويعد حقل نرجس أحد الموارد المتوقعة والتي تسهم في زيادة الإنتاج المحلي وتقليص الاعتماد على الواردات من الغاز الطبيعي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد المحلي ضغوط كبيرة نتيجة اتساع الفجوة بين إنتاج الغاز واستهلاكه ليبقي زيادة الانتاج المحلي وتكثيف عمليات الكشف والانتاج أحد اهم الحلول التي تسهم في تخفيف الاعباء وتعمل في تقليص الواردات
وتكتسب التطورات الجديدة أهمية خاصة مع تراجع إنتاج الغاز المصري إلى نحو 3.63 مليار قدم مكعبة يوميا خلال أغسطس 2026، مقابل استهلاك بلغ 7.03 مليار قدم مكعبة يوميا وفقا لاحدث البيانات.
مصر تستعد لحفر بئرين جديدين للكشف عن الغاز الطبيعي والزيت الخام في البحر المتوسط وزير البترول: مستقبل الطاقة في مصر يرتكز على تحقيق التوازن بين أمن الإمدادات وتوفيرها بتكلفة ميسورة «البترول»: نتائج إيجابية لأعمال حفر بئر نرجس 2 للغاز الطبيعي بالبحر المتوسطوتشير التقديرات إلى إمكانية تحقيق موارد غازية تتراوح بين 2.5 و3.5 تريليون قدم مكعب ليصبح «نرجس» أحد المصادر المهمة لزيادة الإمدادات المحلية، وسط خطط تستهدف إضافة نحو 500 مليون قدم مكعبة يوميًا من الحقل بحلول مطلع عام 2028.
غير أن أهمية الاكتشاف لا ترتبط بحجم موارده المحتملة وحده، وإنما بمدى قدرة الشركات العاملة على تحويل هذه الموارد إلى احتياطيات مؤكدة وإنتاج تجاري مستدام، في ظل ارتفاع تكاليف تنمية الحقول البحرية والتحديات الفنية والتمويلية المرتبطة بها.
نتائج إيجابية من أعمال حفر بئر نرجس
وأعلنت وزارة البترول بالتعاون مع شركة شيفرون الأمريكية، عن تحقيق نتائج إيجابية من أعمال حفر بئر نرجس-2، التي بدأت في مايو الماضي بالتعاون مع «إيجاس» وشركاء المشروع.
وأظهرت أعمال الحفر، التي وصلت إلى عمق نهائي يتجاوز 5 آلاف متر، وجود طبقات حاملة للغاز بسمك يصل إلى 35 متر، إلى جانب تأكيد امتداد التكوينات الغازية التي سبق اكتشافها في البئر الأولى «نرجس-1».
وكشفت أعمال التقييم عن طبقة إضافية حاملة للغاز تتمتع بخصائص جيولوجية جيدة، ما يشير إلى وجود فرص لاستكشاف موارد إضافية في المنطقة، ويدعم مواصلة الدراسات الفنية اللازمة لتحديد حجم الاكتشاف وجدواه التجارية.
واستهدفت البئر الجديدة تقييم امتدادات المكمن الغازي واختبار طبقات جيولوجية أعمق، بما فيها التكوينات ذات الضغوط ودرجات الحرارة المرتفعة، وهي مناطق تتطلب تقنيات متقدمة في الحفر والتقييم والإنتاج.
أين يقع حقل نرجس؟
يقع حقل نرجس ضمن منطقة امتياز بحرية قبالة سواحل العريش في شرق البحر المتوسط، داخل حوض شرق دلتا النيل، على مسافة تتراوح بين 50 و60 كيلومتر من الساحل
وتبلغ مساحة منطقة الامتياز نحو 1800 كيلومتر مربع، بما يعادل نحو 445 ألف أكر، وهي مساحة تمنح الشركات العاملة فرصًا لاستكشاف تراكيب جيولوجية إضافية بخلاف الموقع الذي شهد الاكتشاف الأول.
وتعود البدايات التعاقدية للمشروع إلى اتفاقيات البحث والاستكشاف المبرمة في عام 2020، ضمن برنامج لجذب الشركات العالمية إلى مناطق شرق البحر المتوسط.
وتضمنت اتفاقية منطقة نرجس استثمارات استكشافية بحد أدنى يبلغ 110 ملايين دولار، إلى جانب منحة توقيع بقيمة مليوني دولار والتزام بحفر بئرين.
وتحقق الاكتشاف الأول في أواخر عام 2022، قبل الإعلان الرسمي عنه في 15 يناير 2023، عندما أعلنت شركة إيني الإيطالية وشركاؤها العثور على الغاز في البئر الاستكشافية «نرجس-1».
وبحسب شركة إيني، جرى حفر البئر باستخدام سفينة الحفر «ستينا فورث»، عند عمق مياه يبلغ 309 أمتار، وأسفرت العمليات عن اكتشاف طبقات من الحجر الرملي الحامل للغاز بسمك صافٍ يقارب 61 متر، تعود إلى تكوينات من عصري الميوسين والأوليجوسين.
وأكدت النتائج الأولية وقتها امتلاك المنطقة مقومات جيولوجية واعدة، خصوصًا مع قربها من منشآت إنتاج ومعالجة الغاز القائمة، وهو عامل قد يساعد على خفض تكاليف التطوير وتسريع ربط الإنتاج مستقبلًا.
ما هي حجم احتياطيات حقل نرجس؟
بحسب التقديرات المتداولة تتراوح بين 2.5 و3.5 تريليون قدم مكعبة.
وكان وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، أشار خلال اجتماع منتدى غاز شرق المتوسط في يونيو الماضي، إلى أنه من المتوقع امتلاك حقل نرجس احتياطيات بهذا النطاق، في إطار استعراض الاكتشافات الواعدة وخطط التوسع في البحث والاستكشاف.
وأكدت الوزارة في أكتوبر الجاري، استمرار العمل على تقييم الموارد وتحويلها إلى احتياطيات قابلة للتنمية والإنتاج.
ومن المنتظر، أن تساعد نتائج البئر الثانية في تحسين دقة التقديرات الجيولوجية، وتحديد امتداد المكمن وخصائصه، وتقييم معدلات الإنتاج الممكنة.
ويعني ذلك أن الحقل قد يمتلك موارد أكبر من التقديرات الأولى، إذا أثبتت الدراسات وجود امتدادات منتجة إضافية، كما قد تختلف الكميات القابلة للاستخراج تجاريا عن إجمالي الموارد الموجودة في باطن الأرض.
الشركات العاملة في الكشف
شهد هيكل الشراكة في منطقة نرجس تغييرًا خلال عام 2026، بعد دخول شركة مبادلة للطاقة الإماراتية إلى المشروع.
ففي 19 فبراير 2026، أعلنت مبادلة للطاقة عن إتمام الاستحواذ على حصة تبلغ 15% من حقوق مجموعة المقاول في امتياز نرجس، اشترتها من شركة إيني الإيطالية.
وبموجب الهيكل المحدث، تمتلك شيفرون الأمريكية 45% وتتولى التشغيل، بينما تمتلك إيني عبر شركتها التابعة «آي إي أو سي» حصة 30%، ومبادلة الإماراتية 15%، وثروة للبترول المصرية 10%.
وتتعلق هذه النسب بحصص الشركاء داخل مجموعة المقاول، التي تشارك في الامتياز مع الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» وفق الهيكل التعاقدي المعلن،
ويعكس دخول مبادلة اهتمام المستثمرين الإقليميين بأصول الغاز المصرية، ويعزز تنوع مصادر التمويل والخبرات الفنية، خاصة أن الشركة الإماراتية تمتلك استثمارات أخرى في مناطق نور وشروق بالبحر المتوسط، التي تضم الأخيرة حقل ظهر.
متى يبدأ إنتاج نرجس؟
تمثل الاستثمارات الجديدة أحد المحركات الرئيسية لخطة تنمية الحقل، بعد تأخر تحويل الاكتشاف الأول إلى إنتاج تجاري خلال السنوات الماضية.
بحسب البيانات تعتزم شيفرون ضخ نحو 400 مليون دولار لحفر أربع آبار ضمن خطة تطوير الحقل، على أن تكتمل أعمال الحفر المستهدفة بحلول منتصف عام 2027.
وقدرت المصادر تكلفة حفر البئر الثانية بنحو 100 مليون دولار، مع استهداف إنهاء أعمالها خلال أكتوبر 2026،
وتستهدف الخطة اضافة نحو 500 مليون قدم مكعبة يوميًا إلى إنتاج الغاز المصري بحلول مطلع عام 2028، بعد استكمال الآبار والبنية التحتية اللازمة لربط الإنتاج.
لماذا أصبح نرجس ضرورة اقتصادية؟
تأتي أهمية حقل نرجس في توقيت يشهد فيه قطاع الغاز المصري تحديات متزايدة، نتيجة التراجع الطبيعي في إنتاج بعض الحقول القائمة، وارتفاع الطلب المحلي، خاصة من محطات توليد الكهرباء والصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.
وإذا نجحت شيفرون في الوصول إلى الإنتاج المستهدف من نرجس عند 500 مليون قدم مكعبة يوميًا، فقد تعادل هذه الكمية نحو 14% من مستوى الإنتاج المحلي المسجل في أغسطس 2026، ونحو 15% من فجوة الإنتاج والاستهلاك خلال الشهر نفسه، بافتراض ثبات بقية العوامل.
وتمتد الأهمية الاقتصادية لحقل نرجس إلى ما هو أبعد من قطاع البترول، إذ يرتبط توفير الغاز المحلي بصورة مباشرة بتكلفة توليد الكهرباء، واستقرار العمليات الصناعية، وفاتورة الواردات المقومة بالدولار، فزيادة الإنتاج المحلي تمنح الدولة فرصة لإحلال جزء من الغاز المستورد بإمدادات منتجة محليًا، بما قد يقلص الحاجة إلى شراء بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال من الأسواق العالمية.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة مع تقلب أسعار الغاز الدولية وتكاليف النقل والشحن والتأمين، فضلًا عن تأثر الإمدادات الخارجية بالتطورات الجيوسياسية في المنطقة.
وتستفيد الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل الأسمدة والبتروكيماويات والحديد والأسمنت، من تحسن توافر الغاز واستقرار إمداداته، ما قد يدعم معدلات التشغيل والقدرة التنافسية للمنتجات المصرية.
كما تتيح زيادة الإنتاج المحلي مرونة أكبر في إدارة احتياجات قطاع الكهرباء خلال الصيف، عندما ترتفع الأحمال ويزداد استهلاك الغاز في محطات التوليد.
ويمثل حقل نرجس إضافة محتملة إلى استراتيجية مصر للتحول إلى مركز إقليمي لتداول وتجارة الغاز، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية القائمة في شرق المتوسط.
وتملك مصر محطتي إسالة للغاز الطبيعي في إدكو ودمياط، إلى جانب شبكة خطوط أنابيب ومنشآت معالجة ونقل تتيح استقبال الغاز من مصادر محلية وإقليمية وإعادة توجيهه إلى الأسواق المستهدفة.
ويعزز قرب نرجس من البنية التحتية القائمة فرص الاستفادة من البنية الاساسية الخاصة بالانتاج والمعالجة.
وبالتالي تمنح نتائج البئر الثانية في حقل نرجس دفعة جديدة لآمال مصر في استعادة نمو إنتاج الغاز الطبيعي، لكنها تمثل خطوة مهمة في مسار التنمية وليست نهاية هذا المسار.
فالمشروع الذي بدأ باكتشاف واعد قبل نحو أربع سنوات، بات أمام اختبار تحويل الموارد المكتشفة إلى إنتاج تجاري يسهم في مواجهة الفجوة المتزايدة بين العرض والطلب.
وفي ظل ارتفاع فاتورة الواردات وتزايد أهمية الغاز لتشغيل محطات الكهرباء والمصانع، لا تكمن القيمة الحقيقية لنرجس في تقديرات الاحتياطيات التي قد تصل إلى 3.5 تريليون قدم مكعبة فحسب، وإنما في سرعة تطويره وتكلفة إنتاجه وقدرته على توفير إمدادات مستقرة للسوق المصرية.
- «أوپيك+» يبقي حصص الإنتاج دون تغيير.. و2.676 مليون برميل إنتاج الكويت
- «بدوي» في «MOC 2026»: تراجع الإنتاج كان التحدي الأبرز.. والشراكة مع المستثمرين تقوم على المصالح المشتركة
- وزير البترول يقود مائدة مستديرة بمشاركة قبرص ومنتدى غاز المتوسط
- شيفرون الأمريكية: مصر محور رئيسي لتنمية غاز شرق المتوسط وحقل أفروديت يدخل مرحلة التصميمات الهندسية
- لإضافة إنتاج جديد من الغاز.. تشغيل محطة مليحة بالصحراء الغربية في مرحلتها الثانية بالشراكة مع إيني الإيطالية






