لم ينسى الدكتور يحيى النجار، البالغ من العمر 44 عاماً، تفاصيل الحياة الصعبة التي عاشها في طفولته، حين نشأ داخل أسرة بسيطة، كان والده يعمل مزارعا، ووالدته ربة منزل لا تجيد القراءة والكتابة، لكنها تمتلك من الحكمة وحسن التدبير ما ساعدها على تربية أبنائها السبعة، 4 ذكور و3 إناث، حتى التحقوا جميعاً بالتعليم، وشق كل منهم طريقه في الحياة، وكان من بينهم طبيب وأستاذ جامعي ومدرب كرة قدم.
تلك النشأة تركت أثراً عميقاً في نفس الطبيب، الذي يؤكد أن ما عاشه من ظروف حياتية قاسية جعله أكثر إحساساً بمعاناة البسطاء، وأكثر إصراراً على مد يد العون لكل مريض لا تسمح ظروفه المادية بتحمل نفقات العلاج.
وقال الدكتور يحيى النجار رئيس قسم جراحة المخ والأعصاب والعمود الفقري، والمقيم بمركز الحسينية بالشرقية، أن انتماءه لأسرة فقيرة جعله يشعر دائماً بآلام المحتاجين، مضيفًا: «إحنا جبناها من تحت، وعارفين يعني إيه ظروف معيشية صعبة، وعشان كده بنحس بالناس الغلابة، وبنحاول نساعدهم على قد ما نقدر»، قائلاً: عندما تقف إمرأة فقيرة بحذاء بلاستيك داخل عيادتي ونأخذ منها في خمس دقائق أجرة أسبوع عمل لزوجها، فهذا عمل تستحي منه الإنسانية، لذلك قررت الكشف على الفقير والطفل اليتيم مجاناً، وقد تم التوصية بضرورة الاتصال قبل الحضور إلى العيادة حفاظاً على حياء المريض وخصوصيته.
ضبط 5 أطنان مخللات غير صالحة للاستهلاك داخل مخزن غير مرخص بالشرقية لتغيبهم عن العمل.. إحالة 83 عاملين في المنشآت التعليمية للتحقيق بالشرقية علاج أول حالة مصابة بمتلازمة «ستيفن جونسون النادرة» بعد نجاح جلسات فصل البلازما بالشرقيةوأضاف أنه لم يقتصر دوره على أداء عمله الطبي، بل امتد إلى إطلاق مبادرات إنسانية تستهدف الفئات الأكثر احتياجًا، انطلاقاً من إيمانه بأن العلاج حق للمريض، وأن الظروف المادية لا ينبغي أن تكون عائقا أمام حصوله على الرعاية الطبية، لافتاً أنه خلال الحرب الدائرة في سوريا عام 2013، حرص على استقبال المرضى السوريين وتقديم العلاج المجاني لهم، ضمن مبادرة إنسانية استمرت حتى عودتهم إلى بلادهم واستقرارهم.
وأشار الدكتور يحيي النجار أنه أطلق مبادرة لرعاية الأطفال الأيتام طبياً وعلاجيا بالمجان، منذ اليوم الأول لميلادهم وحتى بلوغهم 18 عاماً، مؤكداً أن هذه المبادرة مستمرة ولن تتوقف، انطلاقاً من مسؤوليته تجاه الأطفال الذين فقدوا عائلهم ويحتاجون إلى من يساندهم، موضحاً أن تلك الرعاية امتدت أيضا إلى الأطفال المصابين في حادث الدواويس مؤخراً وأسرهم، إذ أكد حرصه على توفير الرعاية الطبية اللازمة لهم مدى الحياة، بما في ذلك إجراء أي عمليات جراحية قد يحتاجون إليها مستقبلاً، في مختلف التخصصات الطبية.
ومن بين المواقف التي لا تفارق ذاكرة الطبيب، مشاهدته سيدات فقيرات يعانين من أعباء الحياة، حتى إن بعضهن يرتدين أحذية بلاستيكية بسيطة، وهو مشهد يعيده دائمًا إلى ذكريات والدته، التي كانت تحاول إصلاح حذائها ولحامه بالنار حتى تتمكن من استخدامه فترة أطول، في ظل عدم وجود ما يكفي من المال لشراء حذاء جديد، مؤكداً أن هذه المشاهد تستحضر أمامه حجم المعاناة التي عاشتها والدته، وتجعله أكثر تمسكا بمساعدة المرضى الذين لا يستطيعون تحمل تكاليف العلاج.
وأضاف أنه ليس ضد حصول الطبيب أو أي صاحب مهنة على أجره المستحق، لكنه يرفض أن تتحول حاجة المريض إلى عبء يفوق قدرته، مستشهداً بمشهد سيدة فقيرة لا تملك سوى حذاء بلاستيكي، بينما قد تضطر إلى دفع أجر يعادل حصيلة أسبوع كامل من عمل زوجها مقابل دقائق قليلة من الكشف الطبي،ومن هنا، أخذ على نفسه عهداً بالتكفل بعلاج الحالات الإنسانية الفقيرة، مع مطالبتهم بالتواصل معه قبل الحضور إلى العيادة، حفاظاً على خصوصية المريض ومشاعره، وحتى لا يضطر إلى الإفصاح عن ظروفه أمام الآخرين.
وأكد أن مساعدته لا تتوقف عند الكشف الطبي، إذ يتواصل مع معامل التحاليل، ومراكز الأشعة لمحاولة تخفيض التكاليف أو توفير الفحوصات مجاناً للحالات المستحقة، كما يتعاون مع إحدى الصيدليات المجاورة لعيادته لتقديم خصومات على الأدوية، فضلاً عن منح المرضى عينات دوائية مجانية ترد إليه من شركات الأدوية، مؤكداً أن هذه المبادرات ساهمت في تشجيع عدد من أصحاب الصيدليات، ومعامل التحاليل، ومراكز الأشعة على المشاركة في العمل الخيري، بما يعكس روح التكافل الاجتماعي وشهامة المصريين في المواقف الإنسانية، مستشهداً بقول الله تعالى: «وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ»، مؤكدًا أن مساعدة المحتاجين مسؤولية إنسانية ومجتمعية لا ينبغي أن يتحملها شخص واحد، بل تتطلب تضافر جهود الجميع.
وعن أبرز المواقف الإنسانية التي تعرض لها خلال مسيرته، روى «النجار» أنه في بداية عمله، وأثناء استقلال سيارته في وقت الذروة خلال يوم شديد الحرارة، فوجئ بسيارة يستغيث قائدها، بينما كانت بداخلها سيدة تعاني آلام الولادة وتصرخ بشدة، في وقت كانت فيه المنطقة بعيدة عن التجمعات السكنية،وعلى الفور، توقف بسيارته وترجل منها لمساعدة السيدة، رغم أن تخصصه الطبي لا يتعلق بالولادة، مستجيبا لنداء الاستغاثة دون تردد.
وأضاف أن السيدة المرافقة للحالة كانت تعرفه جيداً، وما إن رأته حتى تبدلت حالة القلق لديها إلى الاطمئنان، وبدأت تطلق الزغاريد لثقتها في وجود طبيب إلى جوارها، لافتاً أنه طلب توفير غطاء يستر السيدة، ثم بدأ في مساعدتها على الولادة في مكانها على حافة الترعة، واتخذ الإجراءات الممكنة للتعامل مع الموقف، مستخدماً خيط كان مخصص للشكائر لربط الحبل السري، إلى أن وصلت سيارة الإسعاف، لتتولى استكمال الرعاية الطبية اللازمة.
وفي موقف آخر، خلال شهر رمضان وبعد الإفطار، وأثناء توجهه إلى عيادته، شاهد شخصًا ملقى على الأرض إثر حادث، وقد أصيب بكسور وكدمات وجروح متفرقة،ولم يتردد الطبيب في التوقف وسط الطريق، وترجل من سيارته وبدأ تقديم الإسعافات الأولية للمصاب، والعمل على وقف النزيف لحين وصول سيارة الإسعاف، مؤكداً أن إنقاذ حياة الإنسان لا يحتمل الانتظار، وأن التدخل السريع قد يصنع فارقاً كبيراً في حياة المصاب.
ووجه الدكتور يحيى النجار رسالة إلى زملائه من الأطباء، دعاهم فيها إلى مراعاة الظروف الإنسانية للمرضى، وعدم النظر إلى الحالة المادية باعتبارها معياراً للحصول على الرعاية الطبية، قائلاً: «المريض اللي مش معاه اعتبره حد من أهلك، وشوف تقدر تقدمله إيه، فلا نكون إحنا والمرض عليه»، مؤكداً أن المريض يكون في أضعف حالاته خلال رحلة العلاج، وهو ما يفرض على الطبيب مسؤولية إنسانية تتجاوز حدود التشخيص ووصف الدواء، لتشمل الدعم والمساندة والتخفيف من آلام المرضى وأسرهم.
- لماذا يجب أن تكون زيارة الطبيب العام هي الخطوة الأولى في التشخيص؟
- كواليس جلسة محاكمة المتهم بالتعدي على طبيب المطرية، الجنح أصدرت حكمها بالحبس سنة مع إيقاف التنفيذ 3 سنوات، وانقضاء الدعوى بالتصالح في استعراض القوة
- مات بأزمة قلبية، تفاصيل وفاة طبيب أثناء العمل بمستشفى المنشاوي العام بطنطا
- شعبة الأجهزة الكهربائية: تخفيضات "بلاك فرايدي" لن تتجاوز 10%
- مشاري العفاسي: القرآن ميسر.. ولو ذهبت إليه يأتي إليك






