السفير محمد سفيان براح يكتب:
في الأول من نوفمبر 1954، دشّن الشعب الجزائري مرحلة حاسمة في كفاحه من أجل استعادة الحرية والكرامة، بإطلاق ثورة تحولت إلى إحدى أبرز محطات التحرر الوطني في القرن العشرين. وبعد اثنين وسبعين عامًا، تستعيد الجزائر هذه الذكرى بما تحمله من دلالات تاريخية وإنسانية، وبما تتيحه من تأمل في الصلة بين الاستقلال وصون السيادة، وبين تضحيات الماضي ومتطلبات بناء الدولة وتحقيق التنمية في عالم تتشابك فيه الأزمات وتتغير فيه موازين القوة.
وقد استمدت ثورة نوفمبر قوتها من وضوح أهدافها ووحدة الإرادة الوطنية، ومن قدرتها على الجمع بين الكفاح المسلح والعمل السياسي والدبلوماسي. وجاء بيان أول نوفمبر ليطرح مشروعا وطنيا متكاملا، قوامه إنهاء الاستعمار واستعادة السيادة وإقامة دولة تتيح للشعب الجزائري تقرير مصيره واختيار نظامه السياسي. وبفضل صمود الجزائريين وتضحياتهم، تجاوز أثر الثورة حدود الوطن، وأصبحت تجربتها جزءًا من تاريخ حركات التحرر العالمية، وشاهدًا على قدرة الشعوب على انتزاع حقوقها مهما اختلّت موازين القوة.
واعظة جزائرية تبكي فراق مصر عند مغادرتها: «في الصدر لوعة وفي العين دمعة».. (فيديو) لاون الرابع عشر يصبح أول بابا في التاريخ يصوت في الانتخابات العامة الأمريكيةوفي هذه الذكرى المجيدة، نستحضر بكل اعتزاز الموقف المصري الأصيل في دعم الثورة الجزائرية منذ اندلاعها، من خلال تقديم السلاح والذخيرة، وتوفير الدعم السياسي والدبلوماسي والإعلامي، الذي اضطلعت فيه إذاعة «صوت العرب» بدور بارز في إيصال صوت الثورة إلى الرأي العام العربي وكسر طوق العزلة الإعلامية المفروضة عليها. وقد جسّد هذا التضامن إيمان مصر الراسخ بأن تحرير الجزائر لم يكن مجرد قضية وطنية، بل كان جزءًا لا يتجزأ من معركة التحرر العربي. كما أكّد أن العلاقات بين الدول لا تصنعها الجغرافيا وحدها، بل ترسّخها المواقف المبدئية في اللحظات الفاصلة، وتعمّقها وحدة التطلعات والمصير المشترك.
وسيظل هذا الإرث التاريخي النبيل ركيزة أساسية لتعزيز الشراكة الجزائرية المصرية، والارتقاء بها إلى آفاق أرحب من التعاون السياسي والاقتصادي والاستراتيجي، بما يستجيب لتطلعات الشعبين الشقيقين ويخدم مصالحهما المشتركة.
من معركة التحرر إلى تحدي السيادة
تشكل المبادئ التي قامت عليها ثورة نوفمبر مدخلًا أساسيًا لفهم مقاربة الجزائر للقضايا الإقليمية والدولية؛ فالاستقلال الذي انتُزع بالتضحيات يقتضي صون القرار الوطني، وترسيخ مؤسسات الدولة، وتعزيز قدرتها على مواجهة الضغوط الخارجية. وانطلاقًا من هذا الإرث، تظل الجزائر متمسكة باحترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، وترفض التدخل في شؤونها الداخلية، وتدعو إلى تسوية النزاعات بالحوار والدبلوماسية والوسائل السلمية، في إطار نظام دولي تُحترم فيه قواعد القانون الدولي وتُطبَّق على الجميع دون انتقائية أو ازدواجية في المعايير.
وتتجلى أهمية هذه المبادئ في منطقتنا العربية التي تتعدد فيها بؤر التوتر، وتتداخل فيها الحسابات المحلية والإقليمية والدولية. وفي هذا السياق، تؤكد الجزائر دعمها لحق الشعب الفلسطيني في الحرية وتقرير المصير، وتدعو إلى إنهاء الاحتلال وتمكينه من إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشريف، وفقًا لقرارات الشرعية الدولية. وترى أن تحقيق سلام عادل ودائم يقتضي معالجة جذور الصراع، ووضع حد لمعاناة الشعب الفلسطيني، وضمان حقوقه الوطنية المشروعة.
وينطبق المبدأ ذاته على قضية الصحراء الغربية، المدرجة لدى الأمم المتحدة ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، حيث تدعم الجزائر حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وتؤكد تمسكها بضرورة الاحتكام إلى المرجعيات الدولية واحترام إرادة الشعوب باعتبارهما أساسًا للتوصل إلى تسويات سياسية عادلة ومستدامة.
وفي منطقة الخليج، تدعو الجزائر إلى خفض التصعيد وتغليب لغة الحوار والحلول الدبلوماسية، مع التأكيد على ضرورة احترام سيادة الدول العربية وصون أمنها واستقرارها، ورفض أي اعتداءات من شأنها تهديد سلامة أراضيها أو المساس بأمنها. وتكتسب هذه الأولويات أهمية متزايدة في ظل الترابط الوثيق بين أمن المنطقة واستقرارها وحرية الملاحة الدولية، وانسياب حركة التجارة وتدفقات الطاقة، بما لهذه العوامل من تأثير مباشر في استقرار الاقتصاد العالمي وانتظام سلاسل الإمداد الدولية.
وفي السياق ذاته، تدعم الجزائر التوصل إلى تسويات سياسية شاملة ومستدامة للأزمات في ليبيا والسودان واليمن والصومال، ترتكز على الحوار الوطني والحلول السلمية، وتحافظ على وحدة الدول وسيادتها وسلامة أراضيها ومؤسساتها الوطنية.
ويظل تجاوز هذه الأزمات رهينًا بمعالجة أسبابها الجذرية، وتهيئة الظروف الملائمة لاستعادة الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات وطنية قوية وفاعلة، تستجيب لتطلعات الشعوب وتعبّر عن إرادتها، بالتوازي مع الحد من التدخلات الخارجية التي تغذي الانقسامات وتفاقم التوترات وتُطيل أمد النزاعات.
وفي مواجهة هذه التحديات الإقليمية المتشابكة، تبرز أهمية التقارب بين الرؤيتين الجزائرية والمصرية، في ضوء توافق البلدين حول ضرورة صون سيادة الدول ووحدة أراضيها، واحتواء بؤر التوتر، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية في معالجة الأزمات. ويستند هذا التقارب إلى إدراك مشترك للترابط الوثيق بين أمن البلدين واستقرار محيطهما العربي والإفريقي، بما يتيح توسيع مجالات التنسيق والتشاور، وتكثيف الجهود المشتركة إزاء القضايا الإقليمية، دعمًا للمصالح العربية المشتركة وإسهامًا في تهيئة الظروف الملائمة لتسويات سياسية مستدامة تعزز الأمن والاستقرار في المنطقة.
الاستقلال الاقتصادي.. الوجه الآخر للتحرروإذا كان التحرر السياسي قد استعاد للجزائر قرارها الوطني، فإن الاستقلال الاقتصادي يمثل امتدادًا ضروريًا لهذه السيادة. وفي هذا الإطار، تواصل الجزائر جهودها لتنويع الاقتصاد، وتشجيع الاستثمار والإنتاج الوطني، وتطوير التكنولوجيا والبنية التحتية، وتعزيز الأمن الغذائي والطاقي، بما يضمن نموًا مستدامًا وفرصًا أوسع للعمل والإنتاج. ويكتسب تنشيط القطاعات خارج المحروقات، وتوسيع الصادرات، وتعزيز القيمة المضافة للإنتاج الوطني أهمية خاصة في تحقيق نمو مستدام، وتوفير فرص العمل، ومواكبة التحولات الاقتصادية العالمية. كما يتيح الموقع الاستراتيجي للجزائر فرصًا واعدة لتعزيز دورها الاقتصادي بوصفها حلقة وصل بين محيطها العربي والإفريقي والفضاء المتوسطي.
ولا يعني تعزيز الاستقلال الاقتصادي الانكفاء عن الشراكات الدولية، بل يقتضي انفتاحًا مدروسًا يقوم على تكامل المصالح، ويشجع الاستثمار المنتج ونقل التكنولوجيا وتبادل الخبرات وتوسيع الأسواق، مع الحفاظ على استقلال القرار الوطني. وفي هذا الإطار، تمثل مصر شريكًا استراتيجيًا واعدًا، بما يمتلكه البلدان من قدرات بشرية وصناعية وثقل عربي وإفريقي وإمكانات للتكامل في قطاعات الطاقة والصناعة والدواء والزراعة والنقل والاقتصاد الرقمي والبحث العلمي.
وقد أسهمت زيارة الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى القاهرة في أكتوبر 2024، تلتها الدورة التاسعة للجنة العليا المشتركة الجزائرية المصرية في نوفمبر 2025، التي تُوّجت بالتوقيع على 18 وثيقة للتعاون، في ترسيخ الأساس المؤسسي للشراكة الثنائية وتوسيع مجالاتها، لا سيما في قطاعات الطاقة والطاقات المتجددة، والصناعات التحويلية والدوائية والبتروكيماوية، والإسكان، والبحث الزراعي، والثقافة، والشباب والرياضة، والعمل.
وتعكس هذه الخطوات إرادة سياسية مشتركة للارتقاء بالعلاقات الثنائية من مستوى التفاهم والتنسيق إلى شراكة أكثر تكاملًا وفاعلية، بما يتيح تحويل الأطر الاتفاقية القائمة إلى مشروعات عملية ومصالح اقتصادية متبادلة، ويفتح آفاقًا أوسع لتعزيز تنافسية المنتجات الجزائرية والمصرية وتوسيع حضورها في الأسواق العربية والإفريقية، من خلال الاستفادة المثلى من الفرص التي تتيحها اتفاقيات التجارة الحرة ومناطقها.
العدالة الاجتماعية.. استكمال لرسالة نوفمبر
ولا تكتمل رسالة الاستقلال إلا بصون كرامة المواطن وضمان استفادته من ثمار التنمية؛ فالعدالة الاجتماعية، بما تعنيه من تكافؤ الفرص، وتوسيع خدمات التعليم والصحة والسكن، ودعم الفئات الهشة وتوفير فرص العمل، تمثل امتدادًا لقيم نوفمبر ومقاصده الوطنية. ومن ثم، فإن بناء اقتصاد قوي لا ينفصل عن بناء مجتمع متماسك، تتوافر لأبنائه مقومات العيش الكريم وفرص التقدم.
وهكذا، تتجدد رسالة نوفمبر في معادلة تجمع بين صون السيادة الوطنية، والدفاع عن الحقوق المشروعة، وتحقيق التنمية، وترسيخ كرامة الإنسان. وهي مبادئ تفتح بدورها آفاقًا أرحب لتعزيز الشراكة الجزائرية المصرية، وتوظيف رصيدها التاريخي في دعم التنمية والتكامل، بما يخدم تطلعات الشعبين ويسهم في بناء محيط عربي وإفريقي أكثر استقرارًا وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
* سفير الجزائر لدى مصر ومندوبها الدائم لدى جامعة الدول العربية
- وزير المالية: تنمية الموارد المحلية بالمحافظات إحدى أولويات الموازنة الجديدة
- الكويت تشارك في الاجتماعات التحضيرية للدورة الـ116 للمجلس الاقتصادي والاجتماعي العربي
- محمود محيي الدين: الإصلاح الاقتصادي يتطلب إصلاحات مؤسسية وهيكلية تتجاوز السياسات المالية والنقدية
- التظلم من رفض تكافل وكرامة 2026.. خطوات تقديم الشكوى ومتابعة النتيجة
- دعم "تكافل وكرامة" للمرأة المطلقة والأرملة.. شروط القبول والمستندات المطلوبة






