حذرت الدكتورة منى الجرف، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، من تفاقم اختلالات سوق الصلب العالمية في ظل استمرار التوسع في الطاقات الإنتاجية رغم تباطؤ الطلب، مشيرة إلى أن تنامي الدعم الحكومي لصناعة الصلب في عدد من الدول، وفي مقدمتها الصين، يسهم في زيادة فائض المعروض واشتداد المنافسة بين المنتجين في الأسواق الدولية.
وقالت الجرف، خلال كلمتها في قمة الصلب العربي الـ 19، إن صناعة الصلب تواجه تحديات متزايدة لا تقتصر على المنافسة في الأسواق الخارجية، بل تمتد إلى حماية المنتجين المحليين من الممارسات التجارية غير العادلة، في ظل اتساع نطاق المعالجات التجارية والتدابير الحمائية وتراجع تكافؤ الفرص بين الشركات والدول المنتجة.
وأوضحت أن أحد أبرز الاختلالات الهيكلية في سوق الصلب يتمثل في اتساع الفجوة بين الطاقة الإنتاجية والطلب الفعلي، حيث لا تتراجع القدرات الإنتاجية بالوتيرة نفسها التي ينخفض بها الاستهلاك، وهو ما ظهر بوضوح خلال عام 2022، عندما تراجع الطلب بالتزامن مع زيادة ملحوظة في الطاقات الإنتاجية.
انطلاق قمة الصلب العربي الـ 19 والمعرض الدولي للحديد اليوم أحمد عز: الحمائية التجارية لم تعد استثناء وعدد التدابير على تجارة الصلب ارتفع إلى 395 تدبيرا خلال 2025 يوسف بطرس غالي: المنطقة العربية مؤهلة لتصبح موردًا عالميًا للصلب منخفض الكربونوأرجعت ذلك إلى استمرار المصانع في العمل رغم تراجع الطلب، نظرًا لضخامة الاستثمارات المطلوبة لإنشائها، وارتفاع تكاليفها، وارتباطها بفرص العمل والأنشطة الاقتصادية، فضلًا عن أشكال الدعم الحكومي التي تحد من الضغوط التي تدفع الشركات الأقل كفاءة إلى تقليص إنتاجها أو إعادة الهيكلة أو الخروج من السوق.
وأكدت أن مشكلة فائض الإنتاج لا ترتبط فقط بضعف الطلب، وإنما باستمرار إضافة طاقات إنتاجية جديدة بدعم من الحكومات، بما يؤدي إلى تراكم فوائض يصعب استيعابها في الأسواق العالمية.
الدعم الحكومي يفاقم فائض الإنتاج
وفيما يتعلق بتأثير الدعم الحكومي على المنافسة الدولية، استشهدت الجرف بالصين باعتبارها أكبر منتج ومصدر للصلب عالميًا، مشيرة إلى أن شركات صناعة الصلب الصينية حصلت على أشكال متعددة من الدعم والإعانات الحكومية خلال السنوات الماضية.
وأوضحت أن بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تشير إلى ارتفاع الدعم الحكومي الموجه لصناعة الصلب الصينية بصورة كبيرة خلال العقدين الماضيين، لافتة إلى أن الشركات الصينية تحصل على إعانات تعادل نحو 15 ضعف ما تتلقاه الشركات النموذجية في بقية دول العالم.
وأضافت أن ظاهرة الدعم الحكومي لا تقتصر على الصين، إذ رصدت المنظمة زيادة في أشكال الدعم المقدم لصناعة الصلب في مناطق مختلفة من العالم، بما فيها المنطقة العربية، الأمر الذي يعزز تراكم الطاقات الإنتاجية ويزيد حدة الاختلالات في السوق.
وكشفت أن الطاقة الإنتاجية الفائضة عالميًا ارتفعت من نحو 520 مليون طن عام 2019 إلى 640 مليون طن، مع توقعات بوصولها إلى 745 مليون طن بحلول عام 2028، بزيادة تقارب 40% مقارنة بمستويات ما قبل جائحة كورونا.
وأشارت إلى أن المؤشرات المستقبلية تكشف عن فجوة أكبر بين العرض والطلب، إذ تقابل كل طن من الطلب المتوقع خلال الفترة من 2026 إلى 2028 نحو 4 أطنان من الطاقات الإنتاجية الإضافية المحتملة، سواء الجاري إنشاؤها أو تشغيلها، وهو ما يمثل تحديًا لاستقرار سوق الصلب العالمية.
الاستثمارات الصينية خارج الحدود تزيد ضغوط المنافسة
وتطرقت الجرف إلى التوسع في إنشاء طاقات إنتاجية للصلب خارج الحدود الوطنية، موضحة أن الصين تتصدر هذا الاتجاه، حيث أضاف منتجو الصلب الصينيون نحو 70 مليون طن من الطاقات الإنتاجية في جنوب شرق آسيا وأفريقيا خلال الفترة من 2020 إلى 2025، غالبًا من خلال استثمارات مدعومة بشركات ومؤسسات مملوكة للدولة الصينية.
وأوضحت أن التوسع في هذه الاستثمارات يستهدف الوصول إلى أسواق جديدة، وتجنب بعض التكاليف والقيود المرتبطة بالمعالجات التجارية والرسوم المفروضة على الصادرات المباشرة، إلى جانب إنشاء قواعد إنتاجية خارج الأسواق المحلية، مشيرة إلى أن جزءًا من هذه الاستثمارات يمتد إلى المنطقة العربية.
وفي الوقت نفسه، لفتت إلى استمرار تدفق كميات كبيرة من الصلب الصيني إلى الأسواق العالمية، حيث سجلت الصادرات الصينية مستوى قياسيًا يتراوح بين 110 و111 مليون طن، بما يمثل نحو 31% من إجمالي صادرات الصلب العالمية، مقارنة بنحو 19% قبل أقل من 10 سنوات.
وأضافت أن الصادرات الصينية حققت نموًا يتراوح بين 14% و16%، مقابل نمو لم يتجاوز 6% لإجمالي الصادرات العالمية خلال الفترة المشار إليها، وهو ما يعكس تزايد حضور المنتجات الصينية في الأسواق الدولية والضغوط التي تتعرض لها الصناعات المحلية المنافسة.
التدابير الحمائية تتصاعد عالميًا
وأشارت أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة إلى أن تصاعد الصادرات والمنافسة السعرية دفع العديد من الدول إلى التوسع في استخدام الحواجز التجارية وتدابير الحماية، موضحة أن عدد تدابير المعالجات التجارية التي دخلت حيز التنفيذ ارتفع بنحو 44% على مستوى مختلف القطاعات، بينما بلغت الزيادة في قطاع الصلب وحده نحو 87%.
واعتبرت أن هذه الأرقام تعكس تحول صناعة الصلب إلى واحدة من أكثر الصناعات استهدافًا بإجراءات الحماية التجارية على المستوى الدولي، في ظل ارتباط التجارة بالقطاع بشكل متزايد باعتبارات الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية وحماية القاعدة الصناعية الوطنية، إلى جانب عوامل الكفاءة والأسعار والتنافسية.
وأضافت أن أدوات الحماية لم تعد تقتصر على الرسوم الجمركية وتدابير مكافحة الإغراق، بل امتدت إلى اشتراطات المكون المحلي والتدقيق في الاستثمارات وأشكال أخرى من السياسات الصناعية.
وحذرت من أن الإجراءات الحمائية وحدها لا تعالج جذور المشكلة، إذ إن منع دخول المنتجات إلى سوق معينة قد يؤدي إلى تحويل مساراتها نحو أسواق أخرى، بما ينقل الضغوط التجارية من دولة إلى أخرى دون معالجة فائض الإنتاج العالمي.
3 محاور لحماية صناعة الصلب العربية
وشددت الجرف على أن المنتجين العرب يواجهون تحديين متزامنين، يتمثل الأول في حماية الأسواق المحلية من الممارسات التجارية غير العادلة، بينما يتعلق الثاني بالحفاظ على فرص النفاذ إلى الأسواق الخارجية وتعزيز القدرة التنافسية للصادرات العربية.
وحددت ثلاثة محاور رئيسية للتعامل مع هذه التحديات، تشمل دراسة تأثير التحولات الجيوسياسية على التجارة وتدفقات الصلب عالميًا، وتعزيز قدرات الدول العربية على تطبيق تدابير المعالجات التجارية، إلى جانب تطوير آليات رصد ومتابعة فائض الطاقة الإنتاجية والسياسات الحكومية المؤثرة في الصناعة، وتنسيق الجهود لدعم مرونة المنتجين العرب.
وأكدت أهمية تبادل الخبرات القانونية والاقتصادية والصناعية بين الدول العربية، وتطوير آليات أكثر فاعلية لمواجهة الممارسات التجارية غير العادلة، بما يدعم قدرة الصناعة على التعامل مع التحولات المتسارعة في الأسواق العالمية.
جاء ذلك خلال إحدى الجلسات النقاشية ضمن فعاليات قمة الصلب العربي التاسعة عشرة، المنعقدة بالقاهرة، والتي تناقش التحديات التجارية والجيوسياسية التي تواجه صناعة الحديد والصلب، وآليات حماية المنتجين العرب وتعزيز تنافسية الصناعة في الأسواق المحلية والدولية.
- «يوشيزاكي»: خفض الانبعاثات والتحول للطاقة النظيفة يُعيدان تشكيل مستقبل صناعة الصلب العالمية
- منى الجرف خلال «قمة الصلب»: فائض الطاقة الإنتاجية العالمية مرشح للارتفاع إلى 745 مليون طن
- رؤساء شركات الصلب العربية: التكامل الصناعي ضرورة لتعزيز المنافسة ومواجهة فائض الإنتاج والحمائية
- رئيس الاتحاد العربي: العالم يغلق أسواقه أمام الصلب العربي.. وفوائض الإنتاج العالمية تهدد باجتياح أسواقنا
- بحضور رئيس الوزراء.. انطلاق فعاليات قمة الصلب العربي الـ19 والمعرض الدولي للحديد والصلب بالقاهرة






