في الثلاثين من سبتمبر عام 2011، ارتفعت في سماء المنطقة الحدودية بين محافظتي مأرب والجوف اليمنيتين طائرة مسيّرة من طراز "إم كيو-9 ريبار"، تابعة لقيادة العمليات الخاصة المشتركة بالولايات المتحدة. لم تكن الغارة التي أطلقت صواريخها بدقة جراحية على سيارتين للدفع الرباعي مجرد تصفية ميدانية لبعض عناصر "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"؛ بل كانت محطة مفصلية ونقطة تحوّل تاريخية أدت إلى مقتل أنور العولقي، الداعية والمخطط التنفيذي الأكثر خطورة وشهرة في الأرشيف الأمني الغربي، والمواطن الأمريكي الأول الذي يدرج على قائمة الاغتيالات المستهدفة لدى وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) ويُقتل بقرار رئاسي مباشر.
وأنهى ذلك القصف رحلة رجل لم تنحصر خطورته بالحزام الناسف أو البندقية، بل بـ "الميكروفون، والبلاغة اللغوية، والتمكن الرقمي"؛ حيث استطاع من معاقله السرية في جبال اليمن تجنيد عشرات الشباب في قلب واشنطن ولندن وعواصم الغرب عبر منبره الشهير باللغة الإنجليزية ومجلته "إلهام".
السلف المباشر لـ «حروب المسيرات والتصفية الخاطفة»
كانت عملية تصفية أنور العولقي عام 2011 البروفة الأولى والنواة التأسيسية للشكل الذي تدار به النزاعات والحروب الكبرى؛ حيث يظهر ذلك الربط الجوهري بالواقع في ثلاثة أبعاد رئيسية، إذ تُمثل غارة الجوف 2011 التحول الكلي من مفهوم "إرسال الجيوش إلى الميدان لـ "تكتيك التصفية المستهدفة" باستخدام الطائرات دون طيار والتتبع الاستخباراتي الدقيق.
وهذا التكتيك هو بالضبط ما نراه ونعيشه في الوقت الراهن؛ بدءًا من اغتيال القيادات الفاعلة في المنطقة بالضاحية الجنوبية وطهران وغزة، وصولًا إلى معارك المسيرات الخاطفة التي باتت تحسم ملفات النزاع وتصفي الخصوم دون تحريك رجل آلي واحد على الأرض.
من تجنيد اليوتيوب إلى حرب الفضاء الرقمي
كان العولقي أول من شرعن وأسس مفهوم "الذئاب المنفردة" والجهاد المباشر عبر الإنترنت، متجاوزًا الهياكل التنظيمية للتربية الحركية والبيعة التقليدية، واليوم انتقلت هذه الظاهرة إلى مستويات أكثر تعقيدًا؛ إذ نرى استغلال المنصات الرقمية وخوارزميات التواصل الاجتماعي والتزييف العميق وأدوات الذكاء الاصطناعي لتأجير العقول وتجنيد الخلايا العابرة للحدود، وهو ما بدأ عمليًا بـ "محاضرات العولقي الرقمية".
وحسب خبراء، المنطقة التي قتل فيها العولقي بين مأرب والجوف والساحة اليمنية ككل، تحولت من مجرد ملجأ لتنظيمات مطاردة في جبال شبوة وأبين إلى فاعل محوري في المعادلة الإقليمية والدولية، حيث تحكمت حركة التجارة العالمية واستهدفت الممرات البحرية في باب المندب والبحر الأحمر، مما يوضح كيف أصبحت الأراضي اليمنية ركيزة لا غنى عنها عند قراءة التوازن العسكري والأمني.
كواليس تصفية أيقونة السلفية الجهادية
وظّف العولقي، الحاصل على بكالوريوس الهندسة المدنية من جامعة ولاية كولورادو والمولود في نيومكسيكو، لسانه الفصيح ومعرفته العميقة بالداخل الأمريكي للوصول إلى منفذي عملية 5 نوفمبر 2009 في قاعدة "فور" العسكرية، والنيجيري عمر الفاروق عبد المطلب صاحب محاولة تفجير طائرة ديترويت بالملابس الداخلية في 2009.
وبعد تتبّع استخباراتي استمر سنوات، ورصد دقيق للاتصالات الإلكترونية والعنكبوتية بالتنسيق مع السلطات اليمنية، رُصدت تحركات العولقي برفقة الخبير التقني للتنظيم سمير خان محرر مجلة إلهام في صحراء مأرب. وفي صباح 30 سبتمبر 2011، حُددت السيارة بدقة متناهية، لتطلق "الريبّار" صاروخين، أحدهما أودى بحياة العولقي ورفاقه فورًا، مُنهيةً فصل التأسيس وأطلقت عصر التصفية بالريموت كنترول.
- ترتيب منتخب مصر للناشئين في دورة الصداقة بسويسرا قبل مواجهة كولومبيا اليوم
- اليوم، اجتماع طارئ لمجلس النواب بدعوة من رئيس الجمهورية
- اعتداء وتصوير، الداخلية تكشف كواليس مشاجرة مسن وسيدة داخل عربة السيدات بالمترو (فيديو)
- بارد ليلا واضطراب الملاحة، الأرصاد تكشف حالة طقس اليوم الأربعاء
- نصائح للوقاية من انتشار نزلات البرد بين أفراد الأسرة


















0 تعليق