عاجل
ليلة وداع ميسي.. القنوات الناقلة لمباراة الأرجنتين وبنين الودية والموعدجدول ترتيب مجموعة مصر في تصفيات شمال إفريقيا بعد الفوز على الجزائرالاستعداد لامتحانات الشهر ..قرارات عاجلة من وزير التعليم لمديرى المديريات التعليمية بجميع محافظات الجمهوريةفي ذكرى انتصارات أكتوبر.. محافظ بني سويف يكرّم أبطال العبور ويزور قاعدة بني سويف الجويةجامعة بني سويف تناقش مستقبل الاقتصاد المصري في جلسة تحضيرية لمنتدى مصر 2026قرعة عمرة وحفل إفطار.. انطلاق فعاليات احتفالية المحاربين القدماء بنصر أكتوبر في المنياضمن برنامج المواطنة.. أنشطة متنوعة لطلاب مدرسة السلطان حسن بالمنيامحافظة جنوب سيناء تعلن الأسعار الجديدة لتراخيص جميع المركبات
الإضافة إلى المصادر المفضلة

عين وبث والمحصلة عبث

منذ 5 شهر
البثوث المباشرة ليست شرا خالصا ولا خيرا مطلقا؛ هي أداة، يحسن مآلها بما تحمل عليه من مضمون. فيها الديني الذي يرقي القلب، والتثقيفي الذي يوسع المدارك، والرياضي الذي يبعث الحماس، والترفيهي الذي يخفف وطأة الأيام ويسر بما لا يضر. هذه مساحات نظيفة، تشبه أصحابها، وتربي ذائقة متابعيها على قدر من الوعي والانتقاء. غير أن هذه الصورة المضيئة ليست سوى نصف الحكاية.

النصف الآخر يتشكل حين تتحول الشاشة إلى سوق مفتوح للانتباه، تعرض فيه القيم كسلع قابلة للمساومة. هناك، تنتهك الخصوصية باسم العفوية، ويجتث الحياء بدعوى الجرأة، وتختزل الكرامة في لحظات تقتطع لتعاد على هيئة "ترند". استهبال رجالي يسوق كخفة ظل، واستعراض نسائي يغلف بمفردات الحرية، وبينهما ألعاب وتحديات وأحكام تنفذ على الهواء، لا لشيء إلا لتحريك عداد التفاعل. كل شيء قابل للتضحية ما دام العداد في ازدياد.

وفي عمق هذا المشهد، يتكشف تسول رقمي بملامح عصرية. ألفاظ بذيئة، إيحاءات فجة، تحرش لفظي يقدم كدعابة، ومحتوى يعاد تدويره حتى يفقد أي معنى سوى قدرته على جلب الدعم. الأسوأ أن هذه المساحات مفتوحة بلا ضوابط حقيقية؛ يدخلها الصغير قبل الكبير، فتتآكل الحساسية الأخلاقية بالتدرج. ما كان يستنكر بالأمس يصبح مألوفا اليوم، وما كان مألوفا يزاح لصالح ما هو أكثر فجاجة وإثارة.

وفي غمرة هذا الصخب، تشاهد أمورا عجيبة لا تخطر على قلب عاقل. ففي تناقض صارخ ومؤلم، تجد أحدهم يخصص محتواه لقراءة القرآن الكريم بترتيل جميل، ولكنه خلال تلك التلاوة العطرة لا يتوقف عن رفع يديه وتوزيع التحايا للداعمين! يفعل ذلك دون أدنى توقير أو أدب مع جلال كلام الله عز وجل، وكأن الآيات الكريمة مجرد "خلفية موسيقية" لجذب الهدايا والعملات الرقمية، مما يعكس حالة من التيه القيمي والجهل بقدسية الشعائر.

المال هنا ليس مجرد عنصر حاضر، بل هو العنوان الأبرز. أرقام تتداول عن أرباح طائلة في دقائق معدودة، فتغري من لا عدة له إلا الإثارة، فيختصر الطريق على حساب القيمة. ولا يعاب طلب الرزق، بل يمدح، لكن يسأل عن طريقه ومآله. كيف كسب؟ وبأي ثمن من القيم؟ وكيف أنفق؟ تلك أسئلة لا يعفى منها أحد. وما نراه من إسراف في دعم التفاهة ليس ذوقا عابرا، بل تصويت عملي يعيد ترتيب الأولويات: نرفع ما نكافئه، ونشيع ما نرفعه.

المسؤولية هنا مشتركة، لا تختص بصانع المحتوى وحده. المنصات تصمم آليات تكافئ البقاء الأطول والتفاعل الأعلى، فتدفع بطبيعتها نحو المحتوى الأكثر إثارة. وصناع المحتوى يختارون - بملء إرادتهم - كيف يملؤون هذا القالب: قيمة أو عبثا. أما الجمهور، وهو الحلقة الأوسع، فله الكلمة الفصل وإن لم يشعر: بنقرة متابعة، أو هدية، أو حتى بقاء صامت، يشارك في صناعة المشهد. المقاطعة الواعية، والدعم الذكي، والتبليغ عن الانتهاكات، كلها أدوات متاحة، لكنها تحتاج إلى إرادة تتجاوز لحظة التسلية.

الحل ليس في جلد الأداة، بل في تهذيب الاستخدام وبناء البديل. نحتاج بثوثا تحترم عقل المتلقي، وتمنح المتعة دون أن تهدر الكرامة، وتقدم المعرفة دون تعال. نحتاج تربية إعلامية تعلم أبناءنا كيف يشاهدون، لا ماذا يشاهدون فقط، وتعيد تعريف النجاح بعيدا عن عداد الهدايا. حينها تستعيد البثوث حيادها النبيل: وسيلة في يد الإنسان، لا سوقا تدار به، ولا مرآة تعكس أسوأ ما فيه.

ولعل الخلاصة ليست في محاكمة البثوث، بل في محاسبة ما نمرره عبرها من قيم. فالشاشة لا تخلق الذوق بقدر ما تكشفه، ولا تصنع الاتجاه بقدر ما تضخمه. نحن - صناع ومتابعون - نخط كل يوم ميثاق هذه المساحات دون أن نشعر: بنقرة نمنحها، أو دقيقة نطيلها، أو هدية نهديها. فإن شئنا لها أن ترتقي، ارتقينا بها، وإن رضينا لها الهبوط، هبطت بنا. فليكن لنا وعي يسبق الانبهار، وميزان يسبق التفاعل؛ نمنح حضورنا لما يستحق، ونحجبه عن التفاهة والابتذال والعبث.

✎

فريق تحرير موقع المشهد الاخباري

فريق تحرير موقع المشهد الاخباري خبرة في الصحافة الإلكترونية وإعداد وتحرير التقارير الاقتصادية، وفي صياغة المحتوى وفق معايير تحسين محركات البحث (SEO) يتابع الحدث لحظة وقوعه ويتابع كافة أخبار مصر والعالم العربي علي مدار 24 ساعة بدقة وإحترافية

تابعوا آخر الأخبار العربية والعالمية، وآخر المستجدات السياسية والاقتصادية والرياضية أولًا بأول عبر جوجل نيوز

أخبار ذات صلة