زغرتا وإهدن تميّزان أهلهما عن سائر أمكنة العيش، بأنهم ينتسبون إلى مكانين اثنين، واحد للإقامة الشتوية وآخر للإقامة في الصيف. كما أنهما تميّزانهم بأن منهما خرج رئيسان للجمهورية، هما سليمان فرنجية ورينيه معوّض (وكانا على وشك أن يُضاف إليهما رئيس ثالث تركت ماريا الدويهي تقدير من هو للجمهور المالئ مسرح مونو، وأن فيهما قديسين هما البطرك إسطفان الدويهي ويوسف بك كرم، وهناك آخرون مثل جبران خليل جبران المستعار من بلدة بشرّي القريبة، اعتمادا على ما يمكن أن يُتداول، محليا، بين الإهدنين الزغرتاويين. كما أن هناك مميزات أخرى لهؤلاء بينها، أنهم هم من بدأ أكل الكبة نيّئة، وليس أهل كسرون أو جبيل أو الجنوب. وكان لنا، نحن جمهور القاعة، أن نرى المدقّة الضخمة في يد الممثلة، تهوي بكل ثقلها على الجرن المتخيّل، ما يجعل دقّ أهل المناطق الأخرى، وعلى الأخصّ الجنوبيين منهم، ينزلون مدقّاتهم بلا قوة ولا حيل على اللحم الموضوع على بلاطات. وما دام ان كل شيء يبدأ بعد حدوثه الأول، ليكون له مكان في التاريخ، تروي الدويهي حكاية التعرف على اختراع أكل اللحم النيّئ، رافعة ذلك إلى مصاف اكتشاف البشر الأولين للنار، الذي حدث بالصدفة المذهلة.
نساء زغرتا كنّ قد أوقدن النار في الأعلى ليطبخن للرجال الذين كانوا يقاتلون في الأسفل، حين أتاهنّ التنبيه منهم إلى أن النار المشتعلة ستهدي الأعداء إليهن فيأتون ويأخذونهنّ. لكن النساء لم يتوقّفن عن الدقّ القويّ الذي طيّر نثار اللحم على وجوههن، فتذوّقتْها إحداهن وصاحت، بصوت الممثلة «طيّبة!» معلنة بذلك عن بدء الاكتشاف.
ذاك أن لكل ما يرجع لإهدن وشقيقتها زغرتا بداية معلومة وحكاية في التاريخ. حتى اسم كل منهما له بداية، وله حكاية أيضا. كما له سببه، هذا الأخير الذي يظهره السؤال لماذا الأفران تديرها النساء، أو لماذا يُعاب على الرجال حمل صينيّات الكبّة وأخذها إلى الأفران. وإذ يبدو ذلك بلا دليل تاريخي، كما أنه حدث من دون بداية، تنعطف المسرحية بعد ذلك إلى تاريخ العلاقة بين إهدن والمناطق المجاورة لها على الخصوص، رجوعا هذه المرة إلى أيام المجاعة، بكل مأساويّتها. لكن لهذا التاريخ، رغم هوله وقسوته، جانب تأسسيسي لنظرة أهل إهدن إلى كينونتهم التاريخية، باعتبارهم كرماء ومُطعمين لجيرانهم. ثم هناك، في ما يُروى، ما هو من عاديّات الحياة المتكوّنة من العيش الطبيعي.
يحيى جابر يشير إلى وقائع العلاقات بين الرجال والنساء على اختلافها. أعني ما جمع بين مَن اسمها طْريزا، متحولا عن تيريزا، الاسم الأجنبي، وحنّا، البالغ الطول فيما طريزا قصيرة مقوّسة الساقين وتحتل مؤخرتها ثلثي وزنها. يتزوج الاثنان بعد محاورة عابرة قصيرة نظن معها، نحن المشاهدين، أن ما دعاهما إلى ذلك ليس مفهوما ولا مقدّرا، حيث لم يُتح لكل منهم أن يبدأ بحبّ الآخر.
ثم لا يلبث حنا أن ترك طريزا وهاجر إلى أمريكا، هكذا في عودة إلى زمن سابق من تاريخ لبنان وإهدن، وما كان فيه عودة إلى زمننا الحاضر. وهي، طريزا، فور ما قرأت ما في الورقة التي خطّها حنا معلنا عن رحيله بدأت بنصّ رسالة له داعية إياه إلى العودة. ثم تبيّن لها أنها حبلى، ما دفعها إلى طلب المعونة من الرهبان والقدّيسين، وكل ذلك مصطبغ بالسخرية والتهكّم، من دون أن نغفل، نحن المشاهدين، أن ذلك يتعلق بمأساة عصفت بالجبل اللبناني كله. فهذه المرّة لم يخرج المهاجر، كما في الصورة المتخيلة عنه، منكسرا وطائعا، وجائعا، بل منقادا إلى ما أملاه عليه ضجره وحاله في زواجه.
هو الباب مفتوح على الدوام ليمكن للمسرحية، بكل ما فيها ومن فيها، أعني من النص الذي تؤدّيه ماريا الدويهي بتمكن نادر، والديكور القليل الذي رافق الأداء وأغناه في أحوال تقلّبه كافة، وكذلك إلى الجمهور الواقف على الدوام بين احتمال الانفجار بالضحك، أو احتمال التأمّل والوجوم. هي سلاسة الانتقال في الدخول والخروج المتواترين من المضحك إلى المحزن وبالعكس. وفي أحيان يمرّ العتب على الآخرين الذين «ما بيحبوننا» مرورا عابرا، بل ودودا، مغفلا وطأة المرض العضال الذي أدى تكرارا إلى مواجهات وحرب طاحنة.
ولم يحيّد يحيى جابر المواجهات الضارية بين العائلات، فأدخلها في نسيج عمله، وإن لم تترك له مجالا للتدخّل الساخر، لكن ذلك مكّنه من أن يجعل لمسرحيته نهاية تراجيدية. هذا ما ينبغي عادة حين يؤرخ عملٌ فنّي لمكان ما وللبشر المقيمين فيه.
أمس، رأيت على واحدة من مواقع التواصل الاجتماعي ما يشبه الإعلان عن عرض المسرحية لأهل إهدن، كي يحضروها وهم في مطرحهم. خطر لي أن أشاهدها معهم هناك لأرى كيف سيتعالى ضحكهم هناك، في خلفية الرواية التي صوّرتهم مؤسّسين لحاضرهم المبتسم والسعيد، رغم كل شيء.
كاتب لبناني














0 تعليق