خفض عدد الجنرالات بـ20 بالمئة بعد إقالة 26 منهم وحديث عن الإصلاح… ماذا يفعل وزير الحرب الأمريكي بـ”البنتاغون”؟

منذ ساعة

لندن ـ “القدس العربي”: يخوض وزير الحرب الأمريكي المثير للجدل بيت هيغسيث ما وصفت بـمعركة واسعة لإعادة تشكيل البنتاغون، مستهدفاً ما يعتبره أنماطاً قديمة في الترقيات والتدريب والتسليح وإدارة التكنولوجيا العسكرية. وهي معركة يصفها الكاتب الأمريكي ديفيد إغناتيوس بأنها أشبه بثورة داخل المؤسسة العسكرية، تحمل أفكاراً واعدة لتحديث أساليب الحرب، لكنها تنطوي في الوقت نفسه على مخاطر تتعلق بمهنية الجيش واستقلالية قياداته.

 وفي مقال نشرته صحيفة «واشنطن بوست»، يتوقف إغناتيوس عند أحدث خطوات هيغسيث، التي أعلنها أمام ضباط وجنود في قاعدة كوانتيكو بولاية فرجينيا، حيث مزج بين هجماته المعتادة على وسائل الإعلام وما يصفه بأيديولوجية «الاستيقاظ أو اليقظة» (Woke)، وبين مقترحات أكثر جوهرية لإعادة النظر في طريقة تطوير التكنولوجيا العسكرية واقتنائها واستخدامها في ساحات القتال.

أفكار تستحق الاهتمام؟

يرى إغناتيوس أن بعض أفكار هيغسيث تستحق الاهتمام، وفي مقدمتها اقتراح إنشاء «قيادة الحرب الذاتية» للإشراف على استخدام الأنظمة غير المأهولة والمسيّرات في البر والبحر والجو.

ويضاف إلى ذلك تكليف شخصيات بارزة من قطاع التكنولوجيا بإجراء دراسة سريعة لمستقبل الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل.

ويعتبر الكاتب أن الحرب مع إيران كشفت، من بين أمور أخرى، مخاطر عدم الاستعداد الكافي للتحول المتسارع الذي أحدثته المسيّرات في ساحات القتال، وما تفرضه من إعادة النظر في العقيدة العسكرية ومنظومات الدفاع والتسليح.

لكن الجانب الذي يثير قلق إغناتيوس يبدأ عندما ينتقل الإصلاح من التكنولوجيا والتسليح إلى بنية القيادة العسكرية نفسها.

ويشر المقال إلى أنه  هيغسيث أقال 26 جنرالاً وأدميرالاً منذ توليه منصبه، كما عرقل أو حجب ترقيات نحو 55 ضابطاً آخر، وفق إحصاء أعده مسؤول في الكونغرس معني بالإشراف على البنتاغون. كما أعلن عزمه خفض إجمالي عدد الضباط من رتبتي جنرال وأدميرال بنسبة تصل إلى 20%.

«تعسفي ومتقلب»

هذه التدخلات أثارت اعتراضات تتجاوز الانقسام الحزبي التقليدي.

فالسيناتور جاك ريد، كبير الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، حذر من أن هذه الإجراءات قد تقوض نظام الترقيات القائم على الجدارة.

أما السيناتور الجمهوري توم تيليس فوصف ما يقوم به هيغسيث بأنه «تعسفي ومتقلب»، معتبراً أن التدخل السياسي في المسار المهني للضباط قد يبعث برسالة مقلقة داخل المؤسسة العسكرية مفادها أن تقديم مشورة عسكرية صريحة يمكن أن تكون له كلفة شخصية ومهنية.

ويشير إغناتيوس إلى أن تدخل هيغسيث في مجالس الترقيات أثار انتقادات من الجمهوريين والديمقراطيين داخل لجنة القوات المسلحة، فيما يتضمن مشروع قانون تفويض الدفاع الوطني لعام 2027 إجراءات تفرض تقديم مبررات مكتوبة وإخطار الكونغرس قبل تأخير ترقيات الضباط أو حجبها.

البيروقراطية المتضخمة

لكن إغناتيوس لا يرفض مشروع هيغسيث برمته، بل يرى أن لدى وزير الحرب حجة قوية عندما يتعلق الأمر بمواجهة البيروقراطية المتضخمة داخل البنتاغون.

فالمؤسسة العسكرية الأمريكية، بحسب الكاتب، ظلت لعقود أسيرة منظومات تسليح تقليدية وإجراءات تعاقد واقتناء شديدة التعقيد، تجعل الإنفاق بطيئاً ومكلفاً، فيما تهيمن شركات الدفاع الكبرى على العقود الضخمة.

وفي المقابل، أظهرت الحروب الحديثة حاجة الجيوش إلى القدرة على إنتاج واقتناء أعداد كبيرة من المسيّرات والأنظمة منخفضة الكلفة بوتيرة أسرع بكثير من دورات التسلح التقليدية.

ومن هنا، يضع إغناتيوس إنشاء «قيادة الحرب الذاتية» ضمن المبادرات التي تستحق المتابعة، إلى جانب مشروع “ميريديان”، الذي يقوم على إجراء تقييم مستقل خلال 120 يوماً لمستقبل الحرب في عصر الذكاء الاصطناعي، بمشاركة شخصيات من بينها إيلون ماسك وبالمر لوكي ونيوت غينغريتش.

ويرحب الكاتب كذلك بالتركيز على تعزيز سلاسل الإمداد وشبكات الطاقة والاحتياطيات الإستراتيجية للقواعد العسكرية، ولا سيما في ضوء المنافسة مع الصين ومخاطر الاعتماد الخارجي في المواد الحيوية، ومنها المعادن النادرة.

التعليم العسكري والدين

في المقابل، يبدي إغناتيوس تحفظات جدية إزاء جوانب أخرى من مشروع إعادة الهيكلة، بينها إنشاء قاعدة عسكرية ضخمة جديدة، والتغييرات المقترحة في مجال التعليم العسكري، فضلاً عما يعتبره دوراً متزايداً للدين داخل القوات المسلحة.

ويرى أن بعض هذه التوجهات قد تمثل تراجعاً بدلاً من أن تساعد الجيش الأمريكي على إعداد مقاتلي المستقبل.

كما ينتقد محاولات إبعاد عدد من المؤسسات الأكاديمية الأمريكية الكبرى عن التعاون العسكري، متسائلاً عن جدوى حصر الشراكات في مجموعة محدودة من الجامعات بدلاً من الاستفادة من الجامعات البحثية الكبرى ومراكز الابتكار التي يمكن أن تمد المؤسسة العسكرية بالخبرات العلمية والتكنولوجية التي تحتاجها.

“أبعد من مجرد إصلاح إداري”

ويخلص إغناتيوس إلى أن ما يحدث داخل البنتاغون يتجاوز بكثير إعادة تنظيم بيروقراطي أو محاولة لتقليص النفقات، إذ يتعلق الأمر، في نظره، بحملة واسعة لإعادة تشكيل ثقافة المؤسسة العسكرية وموازين القوة داخلها.

ويقول إن هذه الحملة تدعمها شبكة من الناشطين والمسؤولين، يحمل بعضهم مواقف شديدة السلبية تجاه القيادة العسكرية التقليدية. كما امتدت إلى إدارة الترقيات واستهداف ضباط عبر مواقع إلكترونية ترصد ارتباطاتهم السابقة بمبادرات التنوع أو بقيادات عسكرية سابقة.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في تجربة هيغسيث كما يعرضها إغناتيوس: البنتاغون يحتاج بالفعل إلى التغيير، لكن السؤال هو أي تغيير؟

فالمؤسسة تعاني بيروقراطية مزمنة، وبطئاً في تطوير الأسلحة واقتنائها، وتحتاج إلى استيعاب ثورة الذكاء الاصطناعي والمسيّرات والحرب الذاتية بسرعة أكبر. لكن قوتها، بحسب الكاتب، قامت أيضاً على تراكم الخبرة، والحكم المهني، ونظام قيادة يفترض أن يسمح للضباط بتقديم تقييماتهم العسكرية حتى عندما لا تتوافق مع رغبات القيادة السياسية.

وبالتالي، فإن تحديث أدوات الحرب وتسريع الابتكار قد يكونان ضرورة، لكن تفكيك الضوابط المهنية ونظام الجدارة داخل المؤسسة العسكرية قد يحوّل مشروع الإصلاح نفسه إلى مصدر ضعف.

وهكذا تصبح معركة هيغسيث داخل البنتاغون اختباراً يتجاوز شخص الوزير: هل تستطيع الولايات المتحدة بناء جيش أكثر سرعة وابتكاراً واستعداداً لحروب المستقبل، من دون أن تهدم في الطريق المؤسسات المهنية التي يقوم عليها هذا الجيش؟

✎

فريق تحرير موقع المشهد الاخباري

فريق التحرير في موقع المشهد الاخباري — نتابع الخبر من مصادره ونقدّمه لك محرَّراً ومراجَعاً على مدار الساعة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق